د. ابراهيم وحيد شحاتة يكتب : مصر تُعزز دورها مركزًا إقليميًا للطاقة.. اتفاقيات جديدة تُفتح آفاق التعاون العربي
القاهرة – يناير 2026
في خطوة استراتيجية تعكس رؤية مصر الطموحة لتصبح مركزًا إقليميًا لتجارة وتداول الطاقة، شهد عام 2025 سلسلة من الاتفاقيات والمشروعات الكبرى مع دول عربية شقيقة، أبرزها سوريا ولبنان والأردن والسعودية. هذه التحركات لا تأتي من فراغ، بل تستند إلى بنية تحتية قوية وفائض إنتاجي يمكن مصر من لعب دور حيوي في دعم الاستقرار الطاقي بالمنطقة، خاصة مع التحولات السياسية في سوريا ولبنان.
بدأت القصة تتجلى بوضوح في يناير 2026، عندما وقعت مصر مذكرتي تفاهم مع سوريا في قطاع الطاقة، خلال زيارة وفد سوري رفيع المستوى إلى القاهرة برئاسة غياث دياب، نائب وزير الطاقة السوري لشؤون النفط، واستقبله المهندس كريم بدوي، وزير البترول والثروة المعدنية المصري. المذكرة الأولى تتعلق بتوريد الغاز الطبيعي المصري لتوليد الكهرباء في سوريا، مستفيدة من وحدات التغييز العائمة (FSRU) وشبكات النقل المصرية. أما الثانية، فتركز على تلبية احتياجات دمشق من المنتجات البترولية مثل الوقود والمشتقات النفطية.
يأتي هذا التعاون في توقيت حاسم، مع تقديرات البنك الدولي في أكتوبر 2025 تشير إلى أن تكلفة إعادة إعمار سوريا تتراوح بين 140 و345 مليار دولار (تقدير محافظ 216 مليار دولار). ومصر تمتلك فائضًا واضحًا في مواد البناء مثل الأسمنت (سعة إنتاج تفوق 70-76 مليون طن سنويًا، مع استهلاك محلي أقل) والحديد، إلى جانب خبرة حديثة في بناء مدن كاملة من الصفر. وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن الصادرات المصرية إلى سوريا – من مواد بناء وعقود مقاولات وتحويلات عمالة – قد تضيف 4 إلى 6 مليارات دولار سنويًا، مما يعادل إضافة نقطة نمو كاملة للناتج المحلي الإجمالي المصري دون تحميل الدولة ديونًا جديدة.
وفي السياق نفسه، أحيت مصر اتفاقًا قديمًا مع لبنان في 29 ديسمبر 2025، من خلال مذكرة تفاهم وقعها وزير البترول كريم بدوي في بيروت بحضور رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام. الاتفاق يهدف إلى توريد غاز مصري عبر خط الغاز العربي لتشغيل محطة دير عمار (قدرة 450-465 ميغاواط)، مما يضيف نحو 4 ساعات تغذية كهربائية يوميًا، ويقلل التكاليف بنسبة تصل إلى 50% مقارنة بالوقود الثقيل الحالي، إلى جانب تقليل الانبعاثات البيئية.
خط الغاز العربي، الذي يمتد على أكثر من 1200 كيلومتر من العريش في مصر مرورًا بالأردن وسوريا ولبنان، يُعد شريانًا حيويًا بقدرة تصميمية تصل إلى 10.3 مليارات متر مكعب سنويًا. هذا الخط يُعيد إلى الأذهان التعاون العربي المشترك، ويُمهد لتمديدات مستقبلية، خاصة بعد إحياء الخطط المتعثرة سابقًا بسبب الظروف الإقليمية والعقوبات.
أما مع الأردن، فقد وقعت مصر في 18 ديسمبر 2025 اتفاقية تبادل طاقة كهربائية لعام 2026، بتوقيع من المهندسة منى رزق رئيس الشركة المصرية لنقل الكهرباء، والدكتور سفيان البطاينة مدير عام شركة الكهرباء الوطنية الأردنية. الاتفاقية ترفع قدرة الربط الحالية (500 ميغاواط) إلى 2000 ميغاواط تدريجيًا، بعد أن بلغ التصدير المصري في 2025 نحو 306 ملايين كيلووات ساعة بقيمة 28.26 مليون دولار. كما تشمل اتفاقية منفصلة استخدام وحدات التغييز العائمة المصرية في ميناء العقبة حتى نهاية 2026، لتأمين إمدادات الغاز في حالات الطوارئ وتقليل التكاليف التشغيلية.
وفي أبرز المشروعات الإقليمية، يبرز الربط الكهربائي مع السعودية كأكبر مشروع من نوعه في الشرق الأوسط، بتكلفة إجمالية تتراوح بين 1.6 و1.8 مليار دولار وقدرة قصوى 3000 ميغاواط. يمتد المشروع على أكثر من 1350 كيلومترًا، يشمل خطوط هوائية وكابلات بحرية عبر خليج العقبة بتقنية التيار المباشر عالي الجهد (HVDC)، وثلاث محطات تحويل رئيسية في بدر شرق القاهرة وتبوك والمدينة المنورة الشرقية. بدأ تشغيل المرحلة الأولى (1500 ميغاواط) فعليًا في الأسبوع الأول من يناير 2026، مع اكتمال المرحلة الثانية بحلول الربع الأول أو أبريل 2026. يستفيد المشروع من اختلاف أوقات الذروة بين البلدين (الصيف في مصر والشتاء في السعودية)، مما يوفر كميات كبيرة من الوقود ويعزز استقرار الشبكات الكهربائية.
كما وقعت مصر والسعودية في 17 فبراير 2025 اتفاقية تعاون في كفاءة استخدام الطاقة، تهدف إلى وضع خطة وطنية مصرية لتحسين الكفاءة، تبادل الخبرات، بناء القدرات البشرية، ودراسة إنشاء كيان مشترك مع مؤسسة “ترشيد” السعودية.
أما مع العراق، فالخطط تتقدم لربط كهربائي ثلاثي (مصر-أردن-عراق) عبر تعزيز الربط مع عمان، مع دراسات جارية للوصول إلى مئات الميغاواط بحلول 2029. وبالتوازي، هناك نقاشات حول تمديد خط الغاز العربي لربط الشبكة العراقية، استنادًا إلى اتفاق مبدئي من 2004، رغم التحديات الأمنية والسياسية السابقة.
في الإطار العام، بلغت القدرة الإنتاجية الكهربائية في مصر 59.7 جيجاواط بنهاية 2025، مع ذروة طلب محلي حوالي 31 جيجاواط، مما يتيح فائضًا كبيرًا للتصدير دون تأثير على الاستهلاك الداخلي. كما ارتفعت استثمارات قطاع الكهرباء إلى 136.3 مليار جنيه في 2024/2025 مقارنة بـ95.8 مليار في العام السابق.
في الختام، هذه الاتفاقيات ليست مجرد صفقات تجارية، بل خطوة نحو تكامل عربي حقيقي في الطاقة، يعزز الاستقلال الإقليمي، يوفر مليارات الدولارات، ويفتح أبواب التصدير إلى أوروبا عبر مصر. بفائضها الإنتاجي وموقعها الجغرافي الاستراتيجي، تثبت مصر يومًا بعد يوم قدرتها على قيادة هذا التحول، لمصلحة الشعوب العربية كافة.
بقلم: د. إبراهيم وحيد شحاتة
مدير تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة | استشاري التمويل المستدام | مُدرّب معتمد للتنمية المستدامة

ليست هناك تعليقات:
اضافة تعليق